المجمع العالمي لأنساب آل البيت
المجمع العالمي لأنساب آل البيت
الإثنين 20 نوفمبر 2017

جديد الصور
جديد المقالات
جديد الأخبار


جديد الصور

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

09-06-2008 02:51 PM



السُّمُّ الزُّعَاف
لِصَاحِبِ كِتابِ \"الإِتحَاف\"، الطَّاعِنِ في النَّسَبِ الهَاشمِي لِبَنيِ عَلَوِيٍّ والسَّقَّاف
(رَدٌّ على جُوَيهِلٍ حَاوَلَ الطَّعْنَ في النَّسَبِ الشَّرِيفِ)







تصنيف
الشّرِيفِ أبي الليثِ محمد حمزة بنِ علي الكَتانيّ الإِدْرِيسِيّ الحَسَنيّ




الحمدُ للهِ العليّ الـكـبـيرِ المتعال، مَن ابتلى ونجّى، ووعد فوفىّ، وأمات فأحيـى، وكلٌّ له إليه المآل، وَعَدَ الصابرين الأجر، وأوعد غيرَهم الزجر، عسيرَه والـعُسـر، وهو شديدُ المحال، جعل للحق صولات، وللباطل زعْـقات، ثم تليها الفَـلَـقـات، صَحَّ به المَـقــال .
وأُصَـلِّي وأُسَــلِّــمُ عـلـى مَن كان أُسَّ الخيرات، ومَـعْـدِن الكرامات، ومَـنْـبَـعَ البركات، ومَن هو مِن أشرف وأكمل نَسَبٍ كما صَحّ، وعِـتْـرَتــُـهُ أشرفُ وأكملُ عِـتْـرَةٍ وأَنْـجَـح، مَن وَعَدَهُ اللّهُ بالـكـوثـرِ الـحـوضِ في الجنة، وكثرةِ الخيرِ والأتباع، فـقـال جل جـلالـه: {إنّا أعطيناك الكوثر}، وأرادَ المشركون ذَمـَّهُ فقـالوا لِعَدَمِ إنجابِه: أَبـْـتَـر، وجاء في آخر الزمان أدعياءُ زُنـَـمـاءُ، دَعَـوْا مَدْعَى الكفر، وقـالـوا: “ذُرِّيـَّـتُـهُ قليلةٌ “طعناً في فروعِ عِـتْـرَتـِـه، {يُـضاهئون قولَ الَّـذيـن كـفروا} و{يُـحَـرِّفــُـونَ الكَــلـِـمَ مِن بـعـدِ مواضعه}، أَعِـزَّةً عـلـى المؤمـنين، أَذِلَّةً على الكافرين، ظُـلْـمُ الوجوه، ثُـمَـلاءُ الـعـيـون، كأَنَّ عليهم مِـن الـشـيـاطين ظُـلُـمـاتٌ وظُـلُـمـات، {ومَـن لم يَـجْـعَـلِ اللهُ له نوراً فما له مِن نور}، فدَحَرَهُمُ اللهُ كما دحر من كان قبلهم، وأرسل عليهم شواظَ {إنَّ الله يدافع عن الذين آمنوا}، و{إنمَّا يُـريـد الله ليذهبَ عنكم الرجسَ أهلَ البيت ويطهرَكم تطهيرا}، وفرَّقَ اللهُ جَـمْـعَهم شَـذَرَ مَـذَر، وأوقــد نار فـتـنـتـهـم دفاعاً عن حـبـيـبه ونـبـيِّـه، الذي كان أصبرَ الناس عـلـى الإيذاء، وأَعَدَّ اللهُ للذبِّ عنه جُـنْـدَ الأرض والسماء، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه عددَ آله وأتباعه، وبارِكِ اللهمَّ ـ استجابةً لدعوةِ الأمة ـ فيـهم .
و بَـعْـدُ ؛
فمُـذْ كان الحقُّ: والـبـاطــلُ يَـسْـتَـدْمِـغُـهُ، فلا يكونُ سوى الحق، وقد { جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطل إنَّ الباطل كان زهوقا }، كما جاء في الذكـر، ومذ ظهر الحق لا يَزْهَقُ أبدا، فاقـتـضى ذلك أنَّ كلَّ مَن حاولَ إزهاقَه أزهقه الله تعالى، عاجلاً كان أو آجلا ؛ { لِـيَـهْـلِـكَ مَن هَـلَـكَ عن بَـيِّـنَـةٍ، ويَـحْـيَـى مَن حَيَّ عن بـيـنة } .
وقد نَـبَـتَتْ نابتةٌ في هذا الزمان، سلكوا مَسلكَ اليهود والنصارى، وأرادوا تبديل الدين، فلم يطلبوا العلمَ على أهـلـه، وجاؤوا بطوامٍّ وطوام، وبلايا وبلايا، واخْـتَـلَـقُـوا الأقوالَ الشاذةَ والباطلة، وفَرَّقُوا دينَهم شِـيَـعا، وما كان ذلك إلاّ من باب جهلهم بالدين، وابتعاد قلوبهم عن محبة سيد المرسلين، صلى اللهُ عليه وآله وسلم، ثمَّ نَـتَـجَـتْ عنهم ناتجةٌ لم يَـكْـتَـفُـوا بالهجوم على علوم الشريعة، من حديثٍ وفقهٍ وأصول ونحوها، يتدارسونها بالـصـحـائــف والـكـتـب، مبتعدين عن ثَـنْـيِ الـرُّكَـبِ عندَ العلماء، ويُضَـلِّـلـون أعلامَ الوقت، وذلك أدنى المَـقْـت، بل طَـمُّـوا على العلوم الأخرى من تاريخ وسياسة ونسب وغيرها، فظهرتْ منهم آراءُ مُستشنعة، وأفكارٌ مستبشعة، ثم تَـعَـرَّضُـوا جفاءً لرسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خاصةِ آله وأظهرهم نسبا، وطَـعَـنُـوهم في أنسابهم، وكذبوهم في دينهم، ورمَـوا بأقوال أهل الشأن كل مرمى .
وما استغرب ذلك في هذا الزمان الذي بلغناه على هَـرَمٍ به، والذي قـال فيه بعض مشايخ الإسلام:
\"إن شمس الـديـن الـيـوم كُوِّرت، ونجومَه انكدرت، وجبالَه سُـيِّـرت، وعشارَه عُـطِّـلَـت، ونفوسَ العالم زُوِّجَت: كلٌّ انْـتَـظَـمَ إلى هواه، وصـحـف الضمائر والأسرار نُشِرَتْ، وسماءَ المعالي واقـتـنـائـهـا والمعاني واكتسابها وادخارها كُـشِـطَـتْ، والجحيمَ سُـعِّـرَتْ جحيمَ الجهلِ بالله تعالى وبرسوله الكريم، وجحيمَ العوائدِ الرديةِ والأعرافِ المخالفةِ للسنة الطاهرة الغراء البَلْجاء التي لا يَزيغ عنها إلا هالكٌ: سٌعِّرَتْ وأُضْرِمَت، وشَـبَّـتْ نيرانُها وتوهجتْ، وقامتْ في كل رَبْعٍ وحَـيٍّ\".انتهى .
وذلـك أن دَعِــيـّـاً من أدعياء العلم لا هو فيه بِـحَـذامِ ولا قَـطـام، إنمّا جُـذامٌ بجُـذام، أَبـْـتَـرُ لم يطلب العلمَ على العلماء، ولا سلك فيه مَسلَك الفضلاء، ونظم في الفقه منظومةً وفي الأصول أخرى، وزَيـَّنَ له الشيطانُ سوءَ عمله، ثم كـتـب في الأنساب وأتى بطوامٍّ وطوام، فـتَـخَـرْبـَـقَ وتَـزَرْبــَـق، وتَـشَـيْـطَـنَ وتَـلَـيْـطَـن، وتَـعَـفْـرَتْ وتَـنَـفْـرَت، فإنـّا لله.
واحـتَـجَّ بكُـتُـبِ التراجم والطبقات والجرح والتعديل على الأنساب، وما عَـلِـمَ هذا الجويهل المسكين أن كلَّ فَـنٍّ إنما يُـرْجَـعُ فيه إلى أهـلـه، وما يُـؤتَـى المرء إلاّ مِـن بَـلَـهِـهِ وجَـهْـلِـه، أما غـيـرهـا فللاسـتـئـناس فقط والإثبات لا للقدح والنفي، وكان ذلك لأن المردود عليه قامت بينه وبين أَحَـدِ آلِ باعلويٍّ منازعةٌ في مسائلَ فقهيةٍ واعتقادية، فحَمِـيَ الوطيسُ بين الطرفين، وظلَّ النَّكْتُ في القلبِ والغيظ، فـقَـذَفَ الشيطانُ في صَـدْرِ المردود عليه ما قذف، ولو أنه التزم الورع والـتُّـقـى ـ وتلك شِـيـمَـةُ الـسَّـلَـف ـ والوقوفَ على الحدّ، وفي الأثر: \"رحم الله امرأً عرف قَدْرَهُ فوقف عنده\": لكان خـيـراً وأحـسـنَ نَـدِيّـاً، غير أنه تَـبِـعَ الشيطان في غَـوايــتـه، فآذى الكُـلَّ بالبعض، وخـالـفَ لسانُ حاله قولَ الله تعالى: {ولا تَـزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى}، فـقـال: بـل تَـزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخـرى، وأَلــَّـفَ كــتـابـاً سَـمّـاه: \"الإتحاف في إبطال النسب الهاشمي لبني علوي والسقاف\"، فأظهر فيه من الجهل عُواره، ومـن السقوط منتهاه، حيثُ نسبُ آلِ باعلويّ من الـنَّـسَـبِ الصحيح الـمُـتَـواتـِـر عندَ أهلِ الأنساب، كما سيأتي بحول الله؛ غير أنَّ حالَ المردود عليه كما قـال الأَوَّلُ:
وإنْ لـم يَـكُـنْ عَوْنٌ مِـنَ اللهِ لـلـفَـتـى
فَـأَكـــْـثَـرُ ما يَـجْـني عـلـيـه اجـتِـهـادُهُ

فلمّا كان ما كان: وَجَدْتُ لِزاماً عَلَيَّ سَنُّ الصوارم وسَلُّها ذَبّاً عن حُرمة هذا البيت الكريم، وإبعاداً للمردود عليه من لهيب الجحيم، وفي الحديث ـ كما عند البخاري وغيره: \"اُنصرْ أخاك ظالماً أو مظلوما، قـالوا: يا رسول الله، هذا نَـنْـصُـرُه مظلوما، فكيف ننصره ظالماً ؟ قـال: تأخذُ فوقَ يده\"، وأَحْـبَـبْـتُ وَسـْـمَـهُ بـ:
{الـسُّـمُّ الزُّعاف ( )}
{لصاحب كـتـاب الإتحاف}
{الـطـاعـن فـي الـنسـب الهاشمي لبني علوي والسقاف}
وأقدمه بإذنه تعالى بثلاث مقدمات وخمس جرعات، كلُّ جرعةٍ مخصصةٌ للرد على وجه من وجوه الجويهل، ثم خاتمةٌ، ويليها ملحق.

المقدمة الأولى
في كيفية أخذ العلم وأنه لا يؤخذ إلا من معتمَديه وأنه لا يحتج فيه إلا بكلام أهله

كما يُعلم أنه لا يدخل المرءُ في علم ويحق له الكلام به إلا بشروط اشترطها العلماء، وجعلوها حدّاً لا يـنـتـهـكـه إلا ضالٌّ مُـضِـلّ، وقد جاء في الذكـر: {ولا تـقـف مـا لـيـس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مـسـؤولا}، وفي الـحـديـث: \"ثـكـلـتـك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟\".
قـال مالك: \"لا يُنال هذا العلم حتى يذاق فيه طعم الفقر\".
ومراد الإمام مالك بالفقر - كما قـال بعض العلماء - عدم الزيادة على قدر الكفاية، وله خمس مراتب: أن تـنـصـت وتـسـمـع، ثم أن تسأل فتفهم ما تسمع، ثم أن تحفظ ما تفهم، ثم أن تعمل بما تعلم، ثم أن تُـعَـلِّـمَ ما تعلم .
وقـال العلامة ابن مرزوق في \"شرح البردة\": \"ولا يَـحْـصُـلُ العلمُ إلا مع تفرغ البال له، وقطع العلائق التي تشغل عنه، ولذلك كان أفضل أوقات طلبه الليل\".
قـال الإمام النَّظّار أبو إسحاق الشاطبي في \"الموافقات\": \"وللعالم المتحقق بالعلم أماراتٌ وعلامات، وهي ثلاث:
إحداها: العمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقا لعلمه، فإن كان مخالفا له فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يقتدى به في علم.
والثانية: أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم، لأخذه عنهم وملازمته لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا كان شأن السلف الصالح .
والـثـالـثة: الاقتداء بمن أخذ عنه، والتأدب بأدبه، كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبي صلى الله عليه وآله سلم، واقتداء التابعين بالصحابة، وهكذا في كل قرن\".
\"فلما تُرِكَ هذا الوصف رفعت البدع رؤوسها، لأن ترك الاقتداء دليل على أمر حدث عند التارك، أصله اتباع الهوى\".
\"وإذا ثبت أنه لابد من أخذ العلم عن أهله فلذلك طريقان:
أحدهما: المشافهة، وهي أنفع الطريقين .
الثاني: مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين، وهو أيضا نافع في بابه بشرطين:
الأول: أن يحصل له مِن فَـهْـمِ مقاصدِ ذلك العلم المطلوب، ومعرفةِ اصطلاحاتِ أهله ما يَـتِـمُّ له به النظر في الكتب، وذلك يحصل بالطريق الأول من مشافهة العلماء، أو مما هو راجع إليه، وهو معنى قول من قـال: \"كان العلم في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، ومفاتِـحُـهُ بأيدي الرجال\"، والكتب وحدها لا تـفيد الطالب منها شيئا دون فتح العلماء، وهو المشاهد المعتاد\"( ). انتهى من كلام الشاطبي باختصار كـبـير..
وقد اتفق العلماء - كما رأيت في النقل عن الشاطبي - أنه لا يرجع في علم أو يستدل فيه إلا بأهله، وأنه لا يحق لامرئ التكلمُ في علم إلا بالتمكن فيه طبقا لما مر وقد قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}، وقال العلماء: \"من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب\"، وقالوا: \"إذا سكت الجهال في فن قل الخلاف فيه\"، وقالوا: \"لو سكت الجهال لما كان الخلاف\".
وبذلك فللننظر: هل استوفى هذا الجويهل هذه الشروط في علم الأنساب؟؟. بل في جميع العلوم التي يدعي الاطلاع عليها والتأليف في ميدانها؟. أم أنها مَـرْبـَـحَـةُ العصر، اِتَّـجَـرَ بها كل من لم يجد غيرها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟؟.
وقد قـال أبوحيان رحمه الله:
يَـظُـنُّ الـغُـمْـرُ أن الـكـتْـبَ تَـهْـدِيْ
وما يَـدْرِيْ الـجَـهُـولُ بِـأَنْ فيها
ومَن أَخَـذَ الـعـلـومَ بِـغَـيْـرِ شَـيْـخٍ
أخا جَـهْـلٍ لإِدراكِ العلومِ
غَـوامِـضَ حَـيَّـرَتْ عقلَ الـفَـهِـيـمِ
يَـضِـلُّ عن الطريق المستقيمِ



المقدمة الثانية
اعلم أن العرب - كما هو دأبـهـم وأهل القبائل عامة - لايقبلون دخيلا إلا بعد معرفة أصله ومجيئه، وجده وجديده، وبالأخص إذا قدم فيهم مقدم الزعيم، أو نزل فيهم منزل العالم المصلح، ومن أولئك أهل حضرموت على ما وثقه مؤرخوها، كصاحب \"تاريخ حضرموت السياسي\" الأستاذ صلاح البكري، وصاحب \"تاريخ حـضـرمـوت\" السيد صالح بن علي الحامد، وصاحب \"بضائع التابوت\" العلامة السيد عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف، وصاحب \"أدوار التاريخ الحضرمي\" العلامة النسابة السيد محمد بن أحمد الشاطري، وصاحب \"حضرموت عبر أربعة عشر قرنا\" للعلامة النسابة السيد سقاف بن علي الكاف، ونُصَّ على ذلك في تاريخ زاكن وتاريخ ابن حميد، وهما عمدتان في تاريخ حضرموت، كلهم قـالوا:
\"إن المجتمعَ الحضرميَّ مجتمعٌ قَـبَـلِـيٌّ يصعبُ الدخول فيه أو تَـرَؤُّسُـهُ من غير معرفة نسب الدخيل وأصله، والإقرار والإجماع عليه\". كما هو حال آل باعلوي، والمجتمع الحضرمي مجتمع عربي قُـحٌّ، ينتمي إلى قبائل قحطانية وحميرية وسبئية، وقد أقر أهله وعلماؤه لآل باعلوي بالشرف كما يأتي في متن الكتاب بإذنه تعالى .


المقدمة الثالثة
في كيفية إثبات الأنساب
أجمع المسلمون سلفاً وخلفاً على وجوب احترام أهل البيت الكرام، وتفخيمهم وإعطائهم حقهم، وفي الذكر: {قل لا أسئلكم عليه من أجر إلا المودة في القربى}، وذلك لقربهم من رسول الله صَـلَّى الـلّـهُ عَـلِــيـهِ وآله وسلم، وأنهم بِضعة منه، وفهمهم أقرب إلى فهمه، وأخرج أبويعلى بسند حسن عن سلمة بن الأكوع مرفوعا: \"النجوم أمانٌ لأهل السماء، وآل بـيـتـي أمانٌ لأمـتـي\"، ولـتـعـلـق أحـكـام شـرعـيـة بهم، وبذلك فقد وضع أئمة النسب ـ كـمـا في \"الدرر السنية\"، و \"الإشراف\"، و\"الشكل البديع\"، و\"المدهش المطرب\".
وأشار إلـيـه نظارو الأنساب كمن مضى و الـقَـصّـارِ، والـنَّـجَـفِـيّ، وابنِ طَباطَبا، وأبي الرَّبـيـعِ الحوّات، وابن عنبة، والـمَـرْعَـشِـيّ ـ تقعيداً واستقاء من الشريعة طُـرُقاً في إثبات النسب، أهمها:
1. شهادة أئمة النسب المعتبرين على صحة النسب .
2. أو السماع الفاشي، وهو استفاضة الذكر عند العامة والخاصة .
3. أو الوثائق القديمة والحديثة على مر الدهور بتوقيع عدول البلاد .
4. أو شهادة عدول من أهل البيت نفسه على انـتماء الفرع إليهم .
واعلم أن عدم ذكر نسب أو فخذ في كتاب لا يقضي بعدم وجوده ولو بـجَـزْمِ صاحبِ الكتاب إلا إذا عَـدِمَ وجوده عند الكتب المعتمدة الأخرى في الفن، ويُعلم ذلك مِن ممارسة هذا الباب والتعمق فيه، وهذا ما أجمع عليه أهل الشان( ).
وقبل الشروع في هذا الرد الحفيل أجد لزاماً عليَّ التقدمُ بوافر الشكر إلى طلبة العلم الذين ساعدوا في جمع هذه المادة القيمة على شُـغْـلِ بالٍ وضيق وقت، وكان لهم القَدَحُ المُـعَـلّى في إبرازه، فجزاهم الله عني خير الجزاء .

الشريف أبي الليث محمد حمزة بن محمد علي الكتاني الحسني
عــمّـان الأردن
15 /12/1416 هـ

وهذا حينُ الشروعِ في القصد، رائمين من المولى أن يكون المَرام والـعَـضْـد، فـأقـول ـ وبـه أصـول وأجـول :

الجرعة الأولى في إغماض الوجه الأول

لقد ظهرت علاماتُ الـدّعـوى واضحةً في كتابة هذا الدَّعِـيّ، ووجد جُهّالاً يطوفون حوله، ويعتقدون علمه في هذا الباب، أي: الأنساب، ويرون ارتفاع قَدَحِه ـ إذ \"لكلِّ ساقطةٍ في الحيِّ لاقطةٌ\" كما قـال الإمام أبوعبدالله الشافعي ـ فذكـر في خطبة وريقاته أن جماعة جاؤوا يسألونه عن النسب الحقيقي لآل السقاف، وأصروا عليه في ذلك، وأنه تصدر لإبراز ما وَهِمَ فيه جميع نسابي المشرق والمغرب سابقا ولاحقا؛ إذ قد فاقهم علما، وسبقهم اطلاعا، مهزلةٌ من مهازل هذا العصر أن يستأسد الهر، ويدعي التصدر في علم هو أبعد فيه من الفرقد، ولقد جاءت في المقدمات شروط اكتساب العلوم، فليرجع إليها الجويهل عله يفيق من ثُـمُـولـِـه .
ومن أبرز علامات الجاهل بالفن جهلُه بأهل الفن، فعند ذكـر الجويهل للعلامة نسابة آل باعلوي محمد بن أحمد الشاطري قـال: وقد ألف أحد أبناء علوي، ويُـدعـى..إلخ ..
وفي هذا مأخذان:
الأول: أن الرجل من علماء الحجاز المشاهير الذين لا يجهلهم سوى من لم يطعم محبة أهل العلم والسؤال عنهم، ثم هو معروفٌ ومشهور بعلم النسب خاصة في شتى الأقطار الإسلامية عند أهل الشأن كما تشهد مؤلفاته بذلك، وإذ كان الجويهلُ مدعياً وغير منـتسب فقد جَـهِـلَ هذا الشيخ، ولله در القائل:
وليس قولك: \"من هذا؟\" بـضـائـرِهِ
الـعُـرْبُ تَـعْـرِفُ مَن أَنْـكَـرْتَ والـعَـجَـمُ

الثاني: قلةُ أدب هذا الجويهل؛ إذ أطلق عليه لفظة: ويُدعى، ولو كان تربى على عالم وأخذ من هديه أو تأثر بآداب من قرأ في كتبهم لعلم التأدب مع الناس، غير أنه كما قـال تعالى: {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجـتـثـت من فوق الأرض ما لها من قرار}، فها هو هذا ومن على شاكلته يخرج الـخَـبَثُ منهم ومن كتاباتهم، كما قـال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: \"إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه\"، رواه البخاري في الأدب وأبوداود والترمذي .
قـال الجويهل: وهو نسب باطل ـ أي الباعلوي ـ من وجوه:
الوجه الأول: ذكـر العلامة ابن أبي عنبة في كتابه \"عمدة الطالب في أنساب أبي طالب\" إلخ ..
قلتُ: وهذا خـطـأٌ، وذلك أن اسم المصنف ابـنُ عِـنَـبَـة، لا ابن أبي عنبة، وقد سمى نفسَه ابـنَ عِـنَـبَـةَ في كتابه المذكور عند ذكـره لنسبه، وبه سماه جميع من نقل عنه وذكـره من أهل التراجم والأنساب ( )، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الجويهل لم يعرف من ابن عنبة حتى أراد كتابة وريقاته، فتأمل!!.
ثم نقل عن ابن عنبة قوله: \"فحركتني العصبية، وبعثتني النفس الأبية على أن أصنف في أنساب الطالـبـيـين كتابا يجمع بين الفروع والأصول، ويضمُّ الأجذامَ إلى الذيول، ويستوعب شعب هذا العلم ويستقصيها، ولا يغادر من فوائده صغيرة ولا كبيرة إلا ويحصيها\". اهـ، وقال: فكما ترى أن المؤلف رحمه الله هنا قصد الاستيعاب في كتابه، وتتبع الأشراف العلويين حيث كانوا .
قلت: ويُلاحظ أن ابن عنبة قال إثر ما نقله الجويهل عنه في المقدمة: \"والأيام بذلك المطلب تماطل، وتحول دون ما أحاول، حتى بـعـد ذلك الفن عهدي، ولم يبق منه غيرُ آثاره عندي\"، فهو هنا اعتذر لنفسه عما ألزم به نفسه قبل كما هو واضح، فانظر أخي إلى كذب الجويهل وتدليسه، وبَـتْـرِهِ للنصوص وتشويهه، وذلك لدعم موقفه الضعيف، فهل يؤتمن هذا على أنساب الناس .
وعلى فرض أن ابن عنبة لم يذكر ما مضى فنقول ـ مسايرةً وإفحاماً للدّعيّ ـ:
اعلم أن قول أهل النسب: \"قصدت التتبع والتقصي\"، لا يقتضي ذكـر جميع المنتسبين، بالأخص إذا بَـعُـدَتْ مرتبتهم النسبية عن رأس القبيلة، كالإمام أحمد المهاجر بن عيسى الرومي بن محمد بن علي العريضي، فأنت تجد أن بينه وبين العريضي طبقتان مع كثرة أبناء العريضي، كما هو معروف عند جميع علماء النسب، بل إن قصد التتبع عندهم إنما هو للأصول العالية، ولذا فقد قـال ابن عنبة في مقدمته بعد ذكـره التقصي بقليل: \"وأُوَجِّـهُ وجه العزيمة إلى جمع مُـخْـتَـصَـرٍ يجمع أَصْـلَ نَسَبِ الطالبية وقواعده\"، هذا أولا .
وأما ثانيا: فإنَّ ابنَ عنبة إنما تقصى وفصل أكـثر شيء فيمن استوطن العراق وفارس وخراسان والحجاز، الذين هم مجاورون له، حيث إنه حِـلِّـيٌّ عراقي، أما من بَـعُـدَتْ رقـعـتُهم فإنما اكتفى بذكـر أصلهم العالي، هذا إذا ذكـرهم، ولذلك نجده يكثر من قوله: \"وله أبناء في بلاد كذا\". وقوله: \"ومنهم في بلاد كذا\"، أي: أن بعد الرقعة كان حائلا بينه وبين التقصي .
ويشهد للنقطة الأولى إهماله ذكـر الـعَـلَـمـيـيـن والجوطـيـين الأدارسـة من بلاد المغرب، وهم أشهر من نار على علم، وهم كما قـال فيهم أئمة النسب ـ كمحمد بن الطيب القادري في نشر المثاني ـ ممن تواتر نسبهم من الأشراف، وراجع لذلك \"الإشراف على من بفاس من الأشراف\" للعلامة النسابة محمد الطالب ابن الحاج، و\"الدر السني بمَن في فاس مِن النسب الحسني\" للعلامة عبدالسلام القادري، وقـال العلامة عبد الحفيظ الفاسي في كتابه \"معجم الشيوخ\"1/ 40: \"لم يبلغ أحد من الأدارسة مبلغ الجوطيين في صراحة النسب وتواتره وعراقة المجد والحسب، كما صرح به ولي الدين ابن خلدون في \"مقدمته\"، وابن السكاك في \"نصحه\".اهـ.
قلتُ: وهم أبناء يحيى الجوطي بن القاسم بن إدريس بن إدريس، واكتفى ابن عنبة بذكـر جدهم القاسم بن إدريس بن إدريس وابنه محمد فقط!!. فهل يدل هذا على بطلان ما أجمع عليه نسابو المغرب من ثبوت النسب الجوطي بل وتواتره ؟!.
وكذلك لم يعرج على أشراف سجلماسة وهم من أبناء محمد النفس الزكية بن عبدالله الكامل، وهم كثيرو العدد والعلماء والصلحاء، ووثق علماء نسبهم واعتبروه من المتواتر .
بل ولم يذكـر الإمام محمد بن إدريس بن إدريس، ثالث خلفاء بني إدريس بالمغرب، وفاتح السوس وغيرها من بلاد المغرب، ولا عرج على أبنائه، علما أن ذكـرهم تواتر في كتب النسب، ومنهم يحيى الأول بن محمد بن إدريس، أحد حكام الأدارسة، وابنه يحيى كذلك، ومنهم يـتـنـسـل كثير من الأشراف الأدارسة، وهم أشهر من نار على علم في كتب النسابين والمؤرخين وكل من تطرق إلى بلاد المغرب، علما أن فاس كانت حاضرة المغرب العلمية، خلافا لحضرموت التي كـانـت من بادية اليمن، هذا ومحمد بن إدريس بن إدريس بن عبدالله الكامل بن الحسن بن الحسن بن علي هو في طبقة أحمد بن عيسى المهاجر، ويسبقه بواحدة تقريبا، علما بأنه ملك المغرب، وأبناؤه أكثر من أبناء المهاجر، فأبناء المهاجر زمن ابن عنبة قلة ـ كما في شمس الظهيرة ـ بالنسبة لهم، ولا يـبـلغون المائة، أما أبناء يحيى بن محمد فقدكانوا مئات إن لم يكونوا ألوفا.
ومن ذلك أن ابن عنبة لم يذكر أحمد بن إدريس بن جعفر الزكي ـ ويدعى عند الشيعة بالكذاب ـ بن علي بن محمد الجواد، علما أن من أبنائه بعض أئمة اليمن، ومنهم الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة الذي سيأتيك بإذن الله.
ويشهد للنقطة الثانية قول ابن عـنـبـة نفسه أثناء التقصي للأدارسة بل وغيرهم 140: \"وبنو إدريس كـثيرون، و هُمْ: في نـسـب القطع، يحتاجُ من تَـعَـزّى إليهم إلى زيادة وضوح في حجته لبعدهم عنا وعدم وقوفنا على أحوالهم\".
قال الجويهل: وقد قدمت إليك أن ابن عنبة قصد الاستيعاب وتمييز الخطأ عن الصواب، ولم يذكر لمحمد بن علي العريضي النسل الذي ذكره أبناء علوي ألبتة إلخ هراءه ..
قلت: وهذا دليل على عدم التعمق في هذا الفن، بل ولا الفهم الذي اشترطه العلماء في الـنـسـابـة حـيـن المطالعة، بل وفي كل فن، فقد قال ابن عنبة صَ217: \"ومنهم أحمد الأَتـَـجّ بن أبي محمد الحسن الدلال بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عيسى الأكبر، كان يتجر في النفط، فلقب النفاط، له عقب\".
قلت: فها هو أولاً ذَكَرَ الأتجّ، وقال: \"لُـقِّـبَ الـنَّـفّـاط، له عقب\". ولم يذكر فروع عقبه .
ثانياً: ذَكَرَ أحمد المهاجر بن عيسى الأكبر بن محمد بن علي العريضي، الذي هو جد الشعبة آل باعلوي، فحفيده علوي بن عبد الله بن أحمد بن عيسى الذي ينتسب إليه آل باعلوي، وسيأتي ذكره وتفصيله بعد إن شاء الله تعالى، وهذا يـثـبـت كذب الجويهل الذي أنكر وجود عيسى نفسه في عمود النسب عند ابن عنبة، فها هو عيسى وها هو ابنه أحمد، ذكرهما ابن عنبة نفسه، ولو لم يذكـرهما لاكتفينا بمن ذكـرهما من النسابين غير ابن عنبة، غير أن الله يدافع عن الذين آمنوا ويخسئ المبطلين .
وقبل ذلك قـال ابن عنبة: \"وأما محمد بن علي العريضي فيكنى أبا عبد الله، وفي ولده العدد، وهم متفرقون في البلاد، وهم بالمدينة الشريفة\"...إلخ كلامه.
فهو إنما ذكـر أبناء محمد بن علي العريضي في المدينة لا غير، وذلـك ما يـحـمـلـه ظاهر كلامه، ولم يذكـر أبناءه في العراق والشام وحضرموت، فتأمل .
ثم إنه - كـذلـك - ذكــر لعيسى سبعة أبناء: الحسين وعلي وموسى وأحمد وإسحاق والحسين الجَـبَـلِـيّ والحسن، وذكـر من أبناء علي فرعين، ومن أبناء الحسين الجَـبَـلِـيّ ثلاثة، أما الباقون فذكـر لكل فرع واحدا، فهو - رحمه الله - لم يتقص جــمـيـع الأبناء؛ إذ تجده ـ كما في جُلِّ كتبِ النسب ـ يقول: \"ومنهم فلان وفلان وفلان\"، و\"من\" هنا كما هو واضح لذي عقل لإفادة التبعيض، وذلك ما يعرفه صغار طلبة العلم .
فهو رحمه الله لم يَـتَـقَـصَّ جميع الأبناء ؛ لأن ذلك لا تكفيه الدفاتر والأيام إلا بجهد جهيد وسفر ورحلة، وذلك مـا لـم يـخـصـص لـه ابـن عـنـبـة كـتـابـه، ولـذلـك قـال الـشـريـف النسابة شهاب الدين المرعشي في ديباجة كتابه \"الإحقاق\": \"لو أردت أن أستقصي وأجمع كل مشجرات الـفـاطـمـيـيـن في هذا الزمان لاستغرق مني حوالي ثلاثمائة مجلد\"، فتأمل هذا النقل تستفد، وراجع المَـنْـقَـلَ فهو جم الفائدة .
وبما مر يكون سقط الوجه الأول لهذا الدَّعِـيّ بهذه الحجة الدامغة، وثبت كذبُه وقلةُ فهمه.

الجرعة الثانية

قـال الجويهل: الوجه الثاني: وعلى فرض أن ابن ابي عنبة فاته أن يعرف أشراف حضرموت المزعومين فإن العلامة البارع ملك اليمن ـ وأعني باليمن هنا صنعاء وحضرموت وظفار ـ ومن ضمنها مرباط بلد الباعلوي، ذكـر في كتابه طرفة الأصحاب في معرفة الأنساب تفصيلا وتحصيلا لأشراف اليمن جميعهم فقـال ص113: انقضى نسب الأشراف كافة بالحجاز والمشرق وما بينهما من أعمال اليمن إلخ ..
وعلينا إظهار عُوارِهِ من وجوه:
أولها: أن مرباط ليست بلد آل باعلوي، إنما بلدُهم تَـرِيـمُ التي يكاد العلم أن يتفجر من حيطانها بسبب هذا البيت الشريف، وإنما سمي جدهم الجامع محمد بن علي بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن أحمد الـمـهـاجـر بن عيسى (ت 550هـ) بـصـاحـب مرباط لأنه عاش بها نهاية عمره إلى وفاته فيها، وهناك قبره، وهذا ما أجمع عليه جميع النسابين والمؤرخين الذين ذكـروهم، وقد عاش حياته في تَريم، واسـتَـوطَـنَـتْـهـا ذُرِّيـَّـتُـهُ، ومنها انتشروا إلى عمان وعدن ولحج وغيرها .
ثانيها: أن ابن رسول صاحب الكتاب لم يشترط على نفسه ذكـر جميع أشراف اليمن كما قـال الجويهل، وهـنـا كِـذْبـَـةٌ أخرى من كِـذْباتِـه وعَورةٌ أخرى من عَـوْراتِـه، وذلك أن ابـن رسـول قــال في ديـبـاجة كتابه: \"هذا مختصرٌ في علم الأنساب، يَـسْـهُـلُ حفظُه على أولي الألباب، مُـحْـتَـوٍ على أصول أنساب العرب، مُـقَـرِّبٍ حفظَها لأولي الطلب، مضافاً إليه نسب النـبـي المختار، مشفوعاً بصحابته الأبرار، نَـبَّـهْـنـا على أوصلهم به سببا، وأقربهم منه نسبا، ثم تلوناه بالخلفاء من بني أمية وبني العباس، ثم بني رسول ملوك اليمن، ثم مَـن شُـهِـرَ بِـخِـدْمَــتِـهِـمْ مِـن أكـابِـرِ الأشرافِ في عصرنا والأعراب مما اطلعنا عليه وتلقيناه من الأصحاب، مرتبين على قدر مناصبهم\".اهـ.
فالمؤلف اقتصر من الأشراف على ذكـر ملوك دولته وأتباعهم وخُـدّامِـهِـمْ، وآل باعلوي لم يـكـونـوا من أتـبـاعهم ولا من خدامهم، وإنما كانوا قِـلَّـةً بـتَـرِيـمَ أيامها، وتحت حكام آل راشد المعادين لبني رسول، فكيف يُـعقل أن يَـذكـرَ مَن ليسوا من شرط كتابه أولا، ومَن والَـوا غيرَه ثانيا، فتأمل!!.
ثالثها: ذكـر الجويهل أن ابن رسول جزم أنه لا يوجد في اليمن كـلِّـه شريفٌ حـسـيـنـيٌّ واحد بل كلهم أشراف حَـسَـنِـيُّـون .
قلتُ: وهذا كذب صُراحٌ من الجويهل، وليته نقل هذا النقل بنصه من الكتاب، علماً أننا راجعناه من أوله إلى آخره فلم نجد ذلك مسطورا، وهذا يعود لاثـنـين:
1- إمـا أن الجويهل ذكر ذلك لأن ابن رسول لم يذكـر أحداً من الحـسيـنـيـيـن في كتابه، وهذا عائدٌ إلى اثنين:
أولا: إما لعدمِ كينونةِ أحدٍ من الـحـسـيـنـيـيـن خادماً للدولة الرسولية، فلم يَـجِـدِ ابنُ رسولٍ من يذكره منهم .
ثانيا: أن ابن رسول كان سُـنِّـيّـاً شـافعيا، وأشهرُ الأشرافِ الحسـيـنـيـيـن في اليمن زمنه كانوا زيـدية، بل من أئمة الزيدية، كالإمام يَحيـى بن حمزة وسلفه، فمنعتِ العصبيةُ المذهبيةُ ـ وخصوصاً أن الدولة الرسولية كانت تحارب الأئمة الزيدية وقته ـ ابنَ رسول من أن يذكر الأشراف الحسينيين، وهذا كثير في كتب الأنساب والتاريخ والتراجم .
2- أو أنه ـ أي: الجويهل ـ كذب وافترى، وهو الأظهر .
وكيف لا يكون في اليمن أشرافٌ حُـسَـيْـنِـيُّـون في ذلك العهد وقد جاء في العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية 1 / 258 لموفق الدين علي بن الحسن الخزرجي ( ت 812 هـ ) والذي احتج به الجويهل ونقل عنه ما نصه:
\"وفي هذه السنة توفي السيد الأجل الفاضل يحيى بن محمد بن أحمد بن علي بن سراج بن الحسن السراجي، نسبة إلى جده سراج، أحد الأشراف الحسيـنـيـيـن، وكان إماما كبيرا في مذهب الزيدية، وعليه عكفوا مدة حـتـى ادعـى الإمامة، ونزل مع قوم يقـال لهم بنو فاهم في حصن لهم، وأطبق على إجابته خلق كثير من الناس، وحسده الأشراف الـحـسـيـنـيـون على الرئاسة\". والسنة هي 666 هـ، أي: في حياة ابن رسول؟؟؟.
كما قال في أحداث سنة 665 هـ: \"وفيها توفي الفقيه الإمام البارع أبوالعتيق أبوبكر بن عيسى بن عثمان الأشعري المعروف بابن حنكاس، وكان فقيها عاملا عالما، إماما في المذهبين، وكان من صدور الفقهاء، تـفـقـه بـالـشـريـف عثمان بن عتيقة الـحـسـيـنـي، وكان أوحد أهل عصره اجتهاداً في طلب العلم، حتى قيل: “لو لم يوجد لمات مذهب أبي حنيفة في اليمن\".
وقال في أحداث عام 690 هـ 1/223: \"وفيها توفي الشيخ أبو الحسن علي بن عمر المعروف بالأهدل، وكان كبير القدر، شهير الذكر، يقال: إن جده محمد قدم من العراق إلى اليمن على قدم التصوف، وهو شريفٌ حُـسَـيْـنِـيٌّ، فسكن أجواف السوداء من وادي السهام، وأولد هناك\".
وهـذا يـدل عـلـى أنـه كـان باليمن أشراف حسينيون وقته، فالخزرجيُّ: مؤرخُ اليمن وقتها كما هو معلوم عند أهل التاريخ، وكُـتُـبُـهُ عُـمْـدَةٌ في ذلك الباب، وما سيأتي من النقول ـ إن شاء الله تعالى ـ سـيـدحـض افـتـراء الـجـويهل في هذا الباب، وإن ثَـبَـتَ ـ جَــدَلاً ـ أن ابنَ رسول أنكر وجود الأشراف الحسينيين ـ على أنه لا ولم يثبت، والمُـثْـبِـتُ الـعَـدْلُ مُـقَـدَّمٌ على النافي كما هو معلوم ـ لَـدُحِـضَ قولُه بكلام جمهور النسابين والمؤرخين زمنه وقبله وبعده .
ومن ذلك ما في كتاب \"التُّحَف شرح الـزُّلَـف\" ص186 للعلامة مجد الدين المؤيدي، فقد قـال عند شرحه للبيت:
وجَمُّ العلومِ البحرُ يحيى بنُ حمزةٍ
وعارَضَهُ الأقوامُ، واللهُ سامعُ

قـال: \"هو الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم\"، ثم ساق نسبه إلى محمد الجواد بن علي الـرضـى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين السبط عليهم رضوان الله تعالى.
ثم قـال: \"هذا الإمام من مِـنَـنِ الله على أرض اليمن، وأنوارِه المضيئة في جبين الزمن، نفع الله بعلومه الأئمة، وأفاض من بركاته على هذه الأمة، وله الكرامات الباهرة، والدلالات الظاهرة، قيامه: بعد وفاة الإمام محمد بن المطهر سنة 729 هـ\".
قلتُ: لو كان وافداً على اليمن أو أبوه ـ بل أو جده ـ ولو لم يكن له أسرةٌ وأتباعٌ وأبناءُ عمومةٍ حسينيون في اليمن وقته لما استطاع طلبَ الإمامةِ في بلاد ساد فيها حكم القبائل، والحل والعقد لها، فدل ذلك على أن بيته كان من البيوتات الـشـهـيـرة باليمن علما ودينا، على الأقل من نهاية القرن السادس أو بداية السابع إلى وفاته عن ست وتسعين سنة عام 802 هـ، كما ذكره صاحب \"الـتُّـحَـف\".
فائدة: ترجم الإمام الشوكاني في البدر الطالع 2/331 للإمام يحيى بن حمزة ترجمة واسعة نفيسة وساق نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنه، وذكر أنه ولد سنة 669 هـ، وتوفي عام 705 هـ بذمار، فعلى فرض هذا يكون تاريخ قيامه في زمن ابن رسول، ويظهر جليا ما ذكرنا .
وبذلك يتقرر وجود الـحـسـيـنـيـيـن في اليمن وقت ابن رسول بلا ريب، وأن ابن رسول لم يقصد ذكـر أحد من الحسينيين وقتها لخروجهم عن شرطه .
بل من ذلك أن ابن رسول قـال بعد تمام ذكـر الأشراف ـ كما نقله الجويهل: \"انقضى نسب الأشراف كافة بالحجاز والمشرق وما بينهما من أعمال اليمن\". اهـ.
فهل يتوهمُ عاقلٌ انعدامَ الحسينيـيـن من رقعة المشرق والحجاز قاطبة!!، وكتب الأنساب طافحةٌ بذكـرهم كما لا يخفى على ذي عينين، كما أن إيراد الجويهل لهذا النقل عليه لا له؛ إذ مَفادُ ظاهرِ كلامِ ابن رسول انعدامهم في المشرق واليمن والحجاز كلها؛ ولكنه لتدليسه لوى أعناق النصوص بما يخدم هواه.
وعلى كلٍّ فإن البهاء السَّكْسَكي الـجَـنَـدي مؤرخُ اليمن وقـتـه وعلامتها ترجم في كتابه الحافل \"السلوك في طـبـقـات العلماء والملوك\" لإحدى عشرة شخصيةً من آل باعلوي، وهو معاصرٌ لابن رسول، إذ قد توفي عام 733 هـ .
وبهذا يكون قد سقط ثاني وجه من أوجه وريقات الجويهل( ).

الجرعة الثالثة

قـال الجويهل: الوجه الرابع: مارواه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة قـال: قـال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسرع قبائل العرب فناء قريش، يوشك أن تمر المرأة بالنعل فتقول: هذه نعل قرشي، وهو حديث صحيح وله شواهد .
قلت: وهذا افتراءٌ آخر، ولو أن المصنف أراد الحق لجاء بهذه الشواهد التي تبين معنى الحديث كاملا ؛ ولكنه أورد الشاهد الذي يخدم غرض نفسه، وعلى كلٍّ فأقول:
قال ابن حبان ( ): \"أنا أبو يعلى ثنا عبدالغفار بن عبدالله ثنا علي بن مسهر عن سعد بن طارق عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قـال: لا تقوم الساعة حتى تُبعث ريح حمراء من قـبـل الـيـمـن، فـيَـكْـفِـتُ الله بها كل نفس تؤمن بالله واليوم الآخر، وما ينكرها الناس من قلة من يموت فيها، مات شيخ من بني فلان، وماتت عجوز في بني فلان، ويُسرى على كتاب الله، فيرفع إلى السماء، فلا يـبـقـى في الأرض منه آية، وتقيء الأرض أفلاذ كبدها من الذهب والفضة، ولا يـنـتـفـع بها بعد ذلك اليوم، يمر بها الرجل فيضربها برجله، ويقول: في هذه كان يـقـتـتـل من كان قبلنا، وأصبحت اليوم لا يـنـتـفـع بها\".
قـال أبوهريرة: \"وإن أول قبائل العرب فناء قريش، والذي نفسي بـيـده أوشك أن يمر الرجل على الـنـعـل وهي ملقاة في الكـناسة فيأخذها بـيـده ثم يقول: كانت هذه من نعال قريش في الناس\".

وفي هذا مسالك ثلاثة:
المسلك الأول: أن النص في أشراط الساعة، وأن كون قريش أسرع الناس فناء يوم القيامة لا يدل على قلتهم، إنما يدل على فضلهم وشفوف منزلتهم، حيث الريح الحمراء ـ كما في الحديث ـ تكـفت كل نفس تؤمن بالله واليوم الآخر .
وقلة من يموت من قريش قد تكون نسبـيـة، فإذا علمنا أن سكان الأرض الآن خمسة آلاف مليون نسمة تقريبا: فوفاة مليون منهم لا يـعـتـبـر كـثـرة، بل ولا عشرة ملايين، هذا في هذا الزمن، أما قبيل يوم القيامة ـ ومع استمرار الانفجار السكاني ـ فسيكون أكثر من ذلك بكثير إذا استمر الوضع على ما هو عليه، وفي الإحصائيات العلمية أن عدد سكان الأرض عام 2010 م سـيـنـاطـح عشرة آلاف مليون، فإذا اعتبرنا 10 ملايين مسلم قرشي من خمسة آلاف مليون فهي 0.2 %، باعتبار أن الهاشمـيين نسبة بينهم، فهل هذه النسبة تدل علىكثرة أم قلة؟. بل لا ضعفها ولا ضعفه يعتبران من الكثرة، والكثرة تبدأ من 10% .
وفي الحديث الصحيح عند مسلم عن زيد بن أرقم: \"وأنا تارك فيكم ثـقـلـين، أولهما كتاب الله، فيه الـهـدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كـتـاب الله ورغب فيه ثم قـال: وأهل بـيـتـي، أذكـركم الله في أهل بيتي أذكـركم الله في أهل بيتي أذكـركم الله في أهل بيتي\"، وفي الحديث عند مسلم: \"لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس\"، وفي آخر: \"على لُكَعِ بنِ لُكَع\"، وقد وردت كثير من الآثار في المجازر التي ستكون أيام الدجال وفتح فلسطين والفتن الكثيرة آخر الزمان التي تحصد الصالحين، علما أن أكبر نسبة في الصالحين هي من قريش، بل آل البيت ؛ لما صح في الحديث عند مسلم والترمذي عن واثلة رفعه: \"إن الله اصطفى كِـنـانـَـةً من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قـريـشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم\"، فإذا تَـقَـرَّرَ هذا عَـلِـمْـتَ: \"لماذا قريشٌ أولُ الناس فناءً\"؟. فـتــنـبه.

وهذا لا يدل على القلة؛ لوجوه:
أولا: ذكر العلامة ابن مسكويه المتوفى عام 421 هـ أن الأشراف في زمنه بلغوا ألف ألف شخص .
ثانيا: كتب الأنساب جميعها طافحة بقولهم: \"وتحت هذا الفرع فروع كثيرة\"، أو: \"وهم كثير ببلاد كذا\"، أو: \"وأبناؤه كثير متفرقون بالبلاد\"، وغيرها.
قـلـت: وإن كـان هذا بالفروع فناهيك بالأفخاذ، ناهيك بالعشائر ناهيك بالأشخاص، فتأمل!!.
ثالثا: إذا نظرت إلى الفروع الكبيرة من الأشراف الثابتة أنسابهم كالشمس كأبناء الإمام الهادي إلى الحق في اليمن، والموسويين في إيران، والعلميين والجوطيين في المغرب، والسجلماسيين في الصحراء، والذين تبلغ بعض أسرهم المليون شخصا علمت حقيقة ما جنحنا إليه .
المسلك الثاني: ثم إن جعل فهمه السقيم لهذا الحديث قاعدة لإبطال أنساب الناس وبالأخص هذا النسب المتواتر الصحيح كما سيأتي إن شاء الله تعالى يعتبر بدعةً مذمومةً لما جاء في الحديث عند مسلم عن أبي مالك الأشعري مرفوعا: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة\"، وقال مالك: \"الناس مصدقون في أنسابهم\".
فإن قلت: أنا جئت بالبراهين قلنا: إتيانك بالبراهين يتوقف على أمور:
منها: أن تكون تمرست وتمكنت في الأنساب على شروط كسب العلم السابقة .
ومنها: أن تكون أحطت اطلاعا بأنساب بني هاشم وعلمت المجروح منها من المسلم .
ومنها: أن تكون تحريت العذر لأهل التاريخ، وعلمت أيامهم وأخطائهم وهفواتهم، فكم من سهو وقع فيه كبار علماء النسب، كابن حزم في الجمهرة، وغيره من إغفالهم لبعض الفروع الرئيسة، وهذا ليس قدحا فيهم، حيث الكمال لله، أما القدح في الأنساب، والصيح والإصخاب، ودخول البيوت دون الأبواب، فذلك من الزيغ والعناد وسقوط الألباب .
ومنها: أن تكون أحطت اطلاعا بأقوال العلماء وأهل الشان في هذا النسب من أهله ومن غيرهم، واطلعت على رسومهم ومواثيقهم، وتوثيق الحكام ورفضهم لذلك، وإذ لم تحط بواحد من هذه الأسباب يخشى أن تكون ممن استهواهم الشيطان في وعيد الحديث السابق وغيره والعياذ بالله تعالى، {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون}.
وقد نعى الله على أقوام جاؤوا بما جاء به الجويهل فقال جل شأنه: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهمم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}.
فإن قال الجويهل: البدعة في الدين، وهذا ليس من الدين.
قلنا: قلتَ في بداية هرائك: وأصروا على معرفة اليقين والحقيقة في انتساب هذه الأسرة إلى فاطمة، وإظـهـار الـحـقـيـقـة من أساسات الدين، وفي القرآن: {كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أساسات إظهار الحق، وهو من الدين، بل قلتَ أنت نفسُك في صدر مقدمة كتابك السخيف \"قريش في الأردن\": فهذا مبحث تاريخي شرعي، ثم قلت بعده بأسطر: وقد ارتبط علم النسب وتوثق بالشرع.
فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى على انتشار البدع في هذا الزمان في كل فن وعلى كل شاكلة، فلست تنظر يمنة أو شمالا إلا وتجد زنديقا أو فاسقا أو مبتدعا .
ثم قال الجويهل: ولو تتبعت لوجدت العاقلة، وهي خمسة الأجداد نزولا للشريف الحسين بن علي لا يعدون ثلاثين رجلا إن لم يكن أقل إلخ .
قلت: وخامس أجداد الشريف الحسين بن علي هو الشريف عون بن محسن بن عبدالله، ومجموع أفراد ذرية ابنه عبدالمعين رابع أجداد الحسين بن علي ـ كما في العقود اللؤلؤية لبعض أنساب الأسر الحسنية في السعودية للشريف محمد بن علي الحسني ـ لوجدتهم قد بلغوا على الأقل مائة وستين رجلاً، هذا بعد الفتن التي غمرت ذلك الزمان والحروب الكـثيرة، وهؤلاء هم أبناء عون من ابنه عبدالمعين ناهيك عن ذريته من بقية أبنائه، ثم إن ابن عنبة ذكر عن بعض الأشراف ـ وهو جعفر الزكي بن علي المعروف بالكذاب عند الشيعة ـ أنه أنجب مائة وعشرين ولدا، وأبناؤهم منتشرون بالعراق وإيران واليمن وقتئذ، وأغلب الأشراف السجلماسيين الذين هم من ذرية السلطان إسـمـاعيل العلوي المتوفى في العقد الثالث من القرن الثاني عشر بلغوا في بداية القرن الماضي أكثر من خمسين ألف رجل، وإذا تتبعنا قول الجويهل لوجب علينا إبطال نسب الأشراف الهاشميين الموسويين وأشراف اليمن والعلميين والجوطيين، وأغلب هؤلاء ثبت نسبهم بالتواتر، وبذلك ننفي وجود الأشراف بالكلية، ويفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه .
مهمة: مما مضى يعلم أن قريشاً أسرع الناس فناء ؛ لأن نسبة الصالحين فيها أعـلـى نسبة، والقيامةَ تقوم على لكع بن لكع، فيموت الصالحون سريعا في فتن آخر الزمان، فتفنى قريش ثم يفنى الناس كلهم.
المسلك الثالث: وعلى افتراض صحة كلام الجويهل ـ وهو باطل ـ فبالله ما نسبة آل باعلوي الذين لا يـبـلغون المليون أو المليونين إلى سكان العالم الخمسة آلاف مليون؟؟. بل إلى القبائل الأخرى مثل بني الحسن وبني تمبيم وحاشد والبشتو والسُّلاف والزولو وصنهاجة التي يبلغ بعضها مئات الملايين؟؟. علما أن بني علوي من أكثر الأشراف عددا، فلو كان كل الأشراف 10 ملايين بل لو عشرين وهو بعيد لما سمي ذلك كثرة حقيقية، فتأمل!!.
وبنوتميم أو بنو الحسن موزعون في بلاد صحراوية، وبالرغم من ذلك فعددهم أكثر من آل باعلوي الممتدين في بلاد الحضر كجنوب شرق آسيا وحواضر جزيرة العرب .
نقطة: قد علم من النظرية الخلدونية أنه في عموم الأنساب يتخلل كل قرن ثلاثة أجيال تقريبا، فإذا افترضنا أن كل فرد منذ الفقيه المقدم المتوفى عام 653 هـ إلى يوم الناس هذا لم ينجب سوى فردين فقط لكان العدد المفترض لآل باعلوي الآن، أي: بعد سبعة قرون ونصف تقريبا:

2 = 6 ملايين تقريبا
وقد علمت مما مضى أن آل باعلوي مع أبناء عمومة الفقيه المقدم ـ كآل الحداد وعبدالملك وسميط وقدري وبن طاهر وعيديد إلخ ـ يناطحون المليوني رجل تقريبا ـ أي: ثلث العدد المفترض ـ مع إنجاب كل فرد لولدين فقط، فإذا تقرر ما مضى تبين لك: لماذا قريش أسرع الناس فناء ؟ وأن آل باعلوي أقل بكثير من العدد المفترض .
وزد على ذلك أن جمعا من سلاسل بني علوي يبلغ أفرادها في القرن خمس طبقات لا ثلاثا، وقدر بعد ذلك العددَ المفترض ( ).
وبهذا يبطل الوجه الرابع للخصم، ومعه جميع مؤلَّفه، ويبقى ما بعده للاستئناس فقط .

الجرعة الرابعة

ثم قال: الوجه الخامس: وهو أن للطرق الصوفية ولعا بالانتساب لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحتى انتسب طوائف منهم قد علم قطعا كذب انتسابهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلخ تخبطه ..
قلت: وهذا مردود لوجوه:
منها: أن الصوفية أجناس وألوان، وهم كما قال الحافظ تقي الدين ابن تيمية: \"منهم من هم في أعلى رتبة من الصلاح، ومنهم من هم في الكفر والشرك والعياذ بالله\".
قلت: وتحميل الكل إثمَ البعض شِـنـشِـنـةُ هذا الجاهل البعيد، وعليه بنى مؤلَّفه السخيف، فمَن مِن الطرق فعل ذلك ؟ وإن ثبت قوله فإن النسابين كانوا كثرا، ووثقوا أنساب الناس، وردوا أنساب الأدعياء، فكلام الجويهل من باب ما سماه علماء المناظرة \"مصادرةً عن المطلوب\"، فهو تشويشٌ وهروبٌ عن صلب البحث العلمي بل وسَـفْـسَـطَـةٌ سافرة، وهي المغالطة المنطقية.
ومنها: قـال الإمام الحافظ عبدالكبير بن محمد الكـتـاني في \"نجوم المهتدين\": \"الأصل في ساحة كل مسلم البراءة من التظاهر بما ليس فيه، حتى يدل دليل قاطع على خلافه، وإلا فلا يحل ولا يجوز أن يرمى مؤمن بما ليس فيه\"، قـال الشيخ زروق في \"شرح الوغليسية\": \"لا يلزم السؤال عن مستور الحال، وسؤالك عنه إذاية له، بل يحرم، وأسواق المسلمين محمولة على الحلال، وكذلك أحوالهم حتى يتبين خلافه، أو تقوم علامة بينة عليه\".
ثم سرد الجويهل بعض كرامات آل باعلوي وقـال: ومن نظر إلى المعجم اللطيف وجد في بطون بني علوي من يحيي الضأن بعدما أكلت وصارت داخل الأمعاء، ومنهم من يقلب الحصى ذهبا إلخ هراءه ..
قلت: وهذا ليس طريقاً في رد الأنساب، وقد فصلنا شيئا من ذلك في المقدمة الثالثة، وقد ذكـر العلامة محمد رشيد رضا في مقدمة تحقيقه للمغني أن ابن قدامة المقدسي كان يمشي على الماء، وقصة سارية وعمر بن الخطاب صحيحة ومشهورة، أما معجزات الأنـبـيـاء فحدث عن اللجي ولا حرج، واتفقوا على أنه \"ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي إلا ما اسـتـثـنـي\".
وأعظم كرامة ـ كما هو متفق عليه ـ هي الاستقامة على الكتاب والسنة، ونشر الدين والعلم، وهذا ما دأب عليه علماء آل باعلوي حيث نشروا العلم والدين في شتى أنحاء العالم كما يعلمه كل مطلع على التاريخ، وأضـافـوا للعالم الإسلامي مساحةً ضخمةً بسمو أخلاقهم وتجارتهم القائمة على السنة المطهرة والأخلاق النبوية، فأوصلوا الـديـن والعلم إلى جنوب شرق آسيا بأكمله، وشبه القارة الهندية، وفي جنوب شرق إفريقيا حتى زنجبار وجزر القمر، وأخرجوا الناس من عبادة الناس إلى عبادة رب الناس، وكان لهم الفضل الكبير في مشارق الأرض ومغاربها كما سيأتي في الملحق إن شاء الله تعالى .
وبهذا يكون انكسف خامس وجوه الجويهل .


الجرعة الخامسة

قـال الجويهل: الوجه الثالث: فليذكـر أبناء علوي بعد هذا البيان من الذي نص من أئمة العلم المعاصرين لمحمد مرباط وآباءه كما يذكـرون سلسلتهم، من نص من أئمة العلم على أنهم أشراف حسينيون؟!. إلخ هذيانه، ثم هذى بشيء عن الأشرف بن رسول رددناه من قبل .
قلت: فأبدأ هنا سلسلة آل باعلوي من الإمام علي العريضي رضي الله عنه لا إضغانا لكلام الجويهل، فالذئب لا يهتز لـ.... النعجة، إنما رأفةً بالعامة وإنقاذاً لهم من الوقوع في مصيدة هذا الخبيث، وفي الحديث الصحيح: \"من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة\".

أولا: ذِكْـرُ الإمامِ علي العريضي بن الإمام جعفر الصادق
قـال النسابة العلامة مـصـعـب الـزبـيـري في \"أنساب قريش\" وابن حزم في \"الجمهرة\" وابن عنبة في \"عمدة الطالب\" واللفظ له: \"وأعقب جعفر الصادق من خمسة رجال: موسى الكاظم وإسماعيل وعلي العريضي ومحمد المأمون وإسحاق( )\"، وهذا ذِكْـرُ العُريضي، وهو أشهر من أن يُستدل له .

ثانيا: ذكـر ابنه محمد بن علي العريضي
وذكـر أبوالفرج الأصفهاني المتوفى سنة 356 هـ في \"مقاتل الطالـبـيـين\" ص718‏ في أثناء عرضه لسلاسل الشهداء من آل البيت - وهو من أعمدة هذا الفن - محمد بن يحيى فقـال: \"مقتل محمد بن يحيى بن محمد بن علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهنا ذكـر محمد بن علي العريضي\"، وذكــره ابن عنبة في كتابه وفصل عقبه ص217، وقبله ابن حزم في \"الجمهرة\" صَ 59، وسيأتي ذكـر آخرين ذكـروه وآباءَه في استطرادنا، بإذنه تعالى .

ثالثا: ذكـر ابنه عيسى الرومي الأكبر بن محمد بن علي العريضي
قـال ابن عنبة: \"وأما محمد بن علي العريضي فيكنى أباعبدالله، وفي ولده العدد، وهم متفرقون في البلاد، ومنهم بالمدينة الشريفة أولاد يحيى المحدث بن يحيى بن الحسين بن عيسى الرومي الأكبر بن محمد المذكور، ومنهم أبوتراب علي بن عيسى الأكبر المذكور\".. إلخ أبناء عيسى ص217 .
وقـال العلامة النسابة أبوالحسن علي الـعَمْري المتوفى بعد عام 443 هـ ـ الذي قـال فيه ابن عنبة: \"إليه انتهى علم النسب في زمانه\"، وهو من أَعْـمِـدَةِ ابنِ عنبة في كتابه \"عمدة الطالب\"ـ في كتابه \"الـمُجدي:
\"وأما عيسى بن محمد بن علي العريضي وكان نقـيـبـاً وجيهاً، ويعرف بالرومي، وهو لأم ولد إلخ كلامه عن عقبه\".

رابعا: ذكـر الإمام أحمد بن عيسى الذي لقب بالمهاجر بسبب هجرته من البصرة إلى حضرموت
في كـتـاب \"تـهـذيـب الأنساب\" لـشـيـخ الـشـرف الـعـبـيـدلـي المتوفى عـام 435 هـ قـال عند ذكـر عقب محمد بن علي:
\"وأحمد بن عيسى الأكبر من ولده أبوجعفر محمد بن علي بـن مـحـمـد بن أحمد بن عيسى بن محمد بن علي العريضي\"، والشَّرَفُ الـعـبـيـدلي من أقـطـاب وأعمدة هذا الفن، والذي يكثر العلماء من النقل عنه والاحتجاج به كابن عنبة الذي احتج به علينا الجويهل، ومضى نقل ابن عنبة في الفصول السابقة .

خامسا: ذكر عبدالله بـن أحمد المهاجر بن عيسى المدعو عبيدالله( )
ذكر أبو الفضل محمد الكاظم ابن أبي الفتوح المتوفى في نهاية القرن التاسع الهجري في كتابه \"النفحة العنبرية في أنساب خير البرية\" عقب جعفر الصادق فقال:
\"أولاد علي بن جعفر الصادق عبدالله وعبد الجبار ومحمد، وكان العقب له، وهو المنتقل إلى الرأس مهاجرا، وصحبه ترجمان الدين القاسم بن طباطبا، فأولد بها عيسى، ومن ولد عيسى السيد أحمد المنتقل إلى حضرموت، فمن ولده هناك السيد أبوالجديد القادم إلى عدن في أيام المسعود بن طغتكين بن أيوب بن سادي، سنة إحدى وعشرين وستمائة، فتوحش منه المسعود لأمر ما، فقبض عليه وهجره إلى أرض الهند، ثم رجع إلى حضرموت بعد وفاة المسعود\".
قلت: وأبوالجديد هو ابن عبدالله بن أحمد المهاجر بن عيسى جد آل باعلوي كما سيأتي .

سادسا: ذكر عبدالله بن أحمد المهاجر المدعو عبيدالله وابنه علوي وحفيده محمد

وقـال العلامة النسابة ضـامِـنُ بن شَـدْقـَـمٍ المتوفى عام 1085 هـ ـ وهو من أعمدة الفن ـ في كتابه \"تحفة الأزهار وزلال الأنهار\" عند ذكـره لعقب الإمام المهاجر ما نصه:
\"عَـقَّـبَ نظامُ الدين أحمد الأَبـَـحُّ بن شمس الدين عيسى الروميَّ، يقـال لولده: بنو الأبح، فنظام الدين أحمد خـلـف ثلاثة بنين: عبدالله ومحمد وأبالحسن عليا زين العابدين\".
ثم ذكـر ثلاثة غصون، فذكـر في الغصن الأول عَـقِـبَ عبدِالله بن أحمد بن عيسى فقـال: \"عـقّـب عبدُالله عـَـلَـوِيّاً وبَـصْـرِيّـا\".
ثم ذكـر قـضـيـبـين، فالقضيب الأول ذَكَــرَ عَـقِـبَ علويٍّ فقـال: \"علويٌّ خَـلَّـفَ محمداً\".
قلت: ومحمدٌ هو جد الفقيه المقدم محمد بن علي الإمام العلامة الذي قُدم على جميع علماء عصره في حضرموت لعلمه وشرفه، وتوفي بتريم عام 653 هـ، وينسب إليه معظم السادة بني علوي .

سابعا: ذكر بقية العمود من صاحب مرباط الجد الجامع لآل باعلوي إلى محمد بن علوي
وفي كتاب \"المشجر الكشاف لأصول السادة\" الأشراف للإمام النسابة محمد بن أحمد النجفي المتوفى في القرن التاسع ـ وعليه تحقيق وزيادة الحافظ الشريف محمد مرتضى الزبيدي ص52:
\"أبوبكر بن حـسـن بن أبي بكر بن سالم بن عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالرحمن السقاف بن محمد بن علوي بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن أحمد عيسى المهاجر\".
والحافظ الزبيدي - كما في نهاية الجزء الأول من فهرس الفهارس للحافظ الشريف عبدالحي الكتاني - كانت تأتيه الرسائل من المشرق والمغرب يسألونه عن أنسابهم.
وهنا نجد أن إمـامـيـن مـن أئمة النسب ـ وهما النَّـجَـفي والـزَّبِـيـدِيّ ( )ـ أثبتا نسبة الفقيه المقدم محمد بن علي بن محمد بن علي إلى محمد بن علي بن علوي بن محمد بن علوي الشهير بصاحب مرباط ومنه إلى جده محمد بن علوي بن عبدالله بن أحمد المهاجر الشهير بصاحب الصومعة الذي ذكـره ابن شدقم مفصلا كما مر.
ومن هنا نرى أن نَـسّابـَـيْـنِ هما من أعمدة النسب أثبتا نسبةَ آل باعلوي إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما، وهذا يحقق أولَ طريقٍ من طرق إثبات الأنساب كما قَـعّـدَهُ أئمة النسب، وهو كافٍ وحده، وقد قدمناه .
وإلـيـك نقولاً عن أئمة الأنساب و الطبقات في مختلف بقاع الأرض تـثـبـت نفس النسب اسـتـئـنـاسا وتوثيقا:
فللحافظ السخاوي المصري في \"بغية الراوي بمن أخذ عن السخاوي\"، و\"الضوء اللامع\"، تراجم كثيرة لشخصيات من آل باعلوي، وساق أنـسـابـهـم، وهو الإمام في الرجال، وقد ترجم في ضوئه 5/59 الترجمة برقم ( 220 ) لأحد كبارهم فقـال:
\"عبدالله بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيدالله بن أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين الـعـابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الحسيني الحضرمي ثم المكي نزيل الشبيكة منها، ويعرف بالشريف باعلوي\".
وأقره العلامة المحدث ابن حجر الهيتمي المكي في معجمه حيث قـال عن الإمام أبي بـكـر الـعـيـدروس: \"وهي عن الـقـطـب أبي بكر بن عبدالله العيدروس بن أبي بكر بن عبدالرحمن السقاف بن محمد بن علوي بن محمد بن علي بـن محمد بن علي بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيدالله بن أحمد بن عيسى بن محمد بن علي العريضي\".
وقـال الإمام العلامة النسابة أبو سالم الـعَـيّـاشِـيّ المغربي في رحلته المشهورة:
\"قلت: وحيث جرى في هذه البطاقة ذكـر بعض نسب شيخنا السيد محمد فلنذكـره إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما في \"بهجة المفاخر في معرفة النسب العالي الفاخر\"، وهو السيد محمد بن علوي بن مـحـمـد بن أبي بـكـر بـن أحمد بن أبي بكر بن عبدالرحمن بن محمد بن علي بن علوي بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر الصادق إلخ النسب\". فانظره ص12 من المجلد الأول .
وللعلامة الـمـؤرخ الجليل أبي محمد عبدالرحمن بن محمد الخطيب الأنصاري الحضرمي المتوفى عام 855 هـ كتاب \"الجوهر الشفاف في فضائل ومناقب السادة الأشراف\" الذي جله تراجم لآل باعلوي، وغير ذلك مما ستجده في الملحق إن شاء الله تعالى .
وفيما مضى كفايةٌ لمن يكفيه الكثير، أما من لم يـقـتـنـع فلا تفيده الدفاتر والكتب والمجلدات:
لو كُلَّ كَلْبٍ عَـوى أَلْـقَـمْـتَـهُ حَجَراً
لأَصْـبَحَ الصَّخْرُ مِثْـقـالاً بِدينارِ

والناس حقيقةً متفاوتون في عقولهم واستيعابهم، وذلك عائد إلى أمور من أهمها غشاوة القلب وفساد العرق، ولذلك نجد الإمام الشافعي قـال عن سورة العصر: \"لو لم يُـنَـزَّلْ غيرُها لكفى\"، فمن كان له عقل وعمق فكر كفاه معشار ما مضى، ومن لا فلا، وإني أعيذ الجويهل أن يكون من الفرعين، وأسأل الله أن يكون ممن إذا قيل له: \"اتق\"؛ اتقاه.
ولذلك قـال القائل:
أَلاَ إِنَّ إخوانَ الـثِّـقـاتِ قليلُ
سَـلِ الناسَ تَعْرِفْ غَثَّهُمْ مِن سمينهمْ
وهل لي إلى ذاك القليلِ سبـيـلُ؟
فـكُـلٌّ عليه شاهدٌ ودليلُ

وهنا أسوق أقوال الأئمة والعلماء مدى العصور وباختلاف علومهم في السادة آل باعلوي فأقول:
قـال العلامة السيد محمد بن أبي بكر الـشِّـلِّـيُّ في \"المشرع الروي في مناقب السادة آل باعلوي\" 1/28:
\"اعلم أرشدنا الله وإياك للهداية، وأنقذنا من رزيات الغواية، أن نسب السادة الأشراف بني علوي مجمع عليه عند أهل التحقيق، متواتر عند أرباب التوفيق، مشهور عند العلماء الأعيان، مذكور في كتب أهل هذا الشان، وقد اعـتـنى بـبـيـانـه ووضح حججه وتبيانه جمع كثير من العلماء، وجم غفير من الفضلاء، لا سيما السيد الجليل علي بن أبي بكر والإمام المحدث محمد بن علي بن علوي خرد، فإنهما أطلقا سنان القلم في هذا المجال، وأطالا فيه من الاستدلال إلخ كلامه ..\".
فإن قـال الجويهل: هذه دعوى، فأين التوثيق ؟ ومزعمٌ، فائت بالدليل.
قلنا: مرت نقول أئمة النسب والسخاوي والهيتمي والعيّاشي سابقا، وقد قـال الإمام الحافظ الجهبذ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 2/166:
\"أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي قـال: نبأنا سهل بن أحمد الديباجي قـال: قـال لنا أبوجعفر محمد بن جرير الطبري: كتب إلي أحمد بن عيسى العلوي من البلد:
أَلاَ إِنَّ إخوانَ الـثِّـقـاتِ قليلُ
سَـلِ الناسَ تَعْرِفْ غَثَّهُمْ مِن سمينهمْ
وهل لي إلى ذاك القليلِ سبـيـلُ؟
فـكُـلٌّ عليه شاهدٌ ودليلُ

قـال أبو جعفر: فأجبته:
يُسيءُ أميري الظنَّ في جُهدِ جاهدٍ
تَـأَمـَّـلْ أميري ما ظَـنَـنْـتَ وقُـلْـتَـهُ
فهل لي بحسنِ الظنِّ منه سَـبِـيـلُ؟
فإِنَّ جميلَ الظنِّ منك جَـمِـيـلَ

قلت: وفي هذا أن أحمد بن عيسى المهاجر كان معروفاً ومشهوراً أنه علويٌّ وعالمٌ عند الطبري والخطيب البغدادي، بل وله عـنـد الـطـبـري قدر عظيم ومقام فخيم، فكان الطبريُّ رضي الله عنه يناديه بقوله: \"أميري\".
وقد ترجم ابن العماد في كتابه \"شذرات الذهب\" لجمع من آل باعلوي، قال 8/78:
\"السيد الشريف الحسين بن عبدالله العيدروس، ولد سنة 861 هـ\".
وقال بعدها: \"ولله در من قال فيه:
إِنَّ الـحُـسَـيْـنَ تَـواتَـرَتْ أخبارُهُ
غَـيْـثٌ يَـسُـحُّ على العُـفـاة سحابُهُ
تالٍ لآثارِ النبيِّ محمدٍ
وَرِثَ المكارم والعلى عن سادةٍ
في فضلِه عن سادةٍ فُـضَـلاءِ
سَـحّـاً إذا شَـحَّـتْ يَدُ الأنواءِ
متمسكٌ بالسنة البيضاءِ
وَرِثُوا عن الآباء فالآباءِ

وقال في موضع آخر 8/442: \"سراج الدين عمر بن عبدالله العيدروس، الشريف الحسيب، اليمني الشافعي، الإمام العالم، وكان عيدروسياً من الأب والأم، تصدر بمكة المشرفة عام 978 هـ\"، ومعروف عند جميع من تطرق إلى ذكر بيت آل باعلوي أن آل العيدروس من أوسط بيوتات آل باعلوي.
وفي كتاب \"السلوك في طبقات العلماء والملوك\" للعلامة بهاء الدين أبي عبدالله محمد بن يوسف السَّكْسَكِيّ الـجَـنَـدِيِّ المتوفى عام 732 هـ تراجم لأحدعشر رجلا من آل باعلوي، ومنهم صاحب مرباط، وهو مؤرخ اليمن ونسابتها ـ والمعاصر لابن رسول ـ في زمنه كما ذكـره أصحاب التواريخ، فانظرها، وقد عرجنا على هذا سابقا .
وفي \"خلاصة الأثر في ذكـر أعيان القرن الحادي عشر\" للمحبي المتوفى عام 1111 هـ تراجم كثير من علمائهم، ومنهم ذكـر أبا بكر بن سعيد فقـال:
\"أبـوبـكر بن سعيد بن أبي بكر بن عبدالرحمن الجفري بن الفقيه المقدم عبدالله بن علوي بن أبي بكر بن محمد بن عـلـوي بـن محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيدالله بن أحمد بن عيسى إلخ النسب\". فانظره ص1/71 .
وله في كتابه السابق الذكـر عند ترجمته للسيد أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر باعلوي قـال:
\"وآل باعلوي منسوبون إلى علوي، وعلوي هو ابن عبيدالله بن أحمد بن عيسى، فإنه جدهم الأكبر الجامع لنسبهم، ونسبهم مجمع عليه عند أهل التحقيق، وقد اعتنى بـبـيانه جمع كثير من العلماء، وذكـر بعضهم أن السادة بني علوي لما استقروا بحضرموت أراد بعض أئمة ذلك الزمان أن يؤكد تلك النسبة المحمدية فطلب منهم تصحيح نسبهم بحجة شرعية، فسافر الإمام الحافظ المجتهد أبوالحسن علي بن محمد بن جديد إلى العراق، وأثبت نسبهم، وأشهد على ذلك نحو مائة عدل ممن يريد الحج، ثم أثبت ذلك بمكة وأشهد على ذلك جميع من حج من أهل حضرموت، فقدم هؤلاء الشهود، في يوم مشهود، وشهدوا بثبوت نسبهم، وجديد المذكور ـ بفتح الجيم ودالين مهملتين بينهما تحتية ـ أخو علوي المذكور، وله أخ آخر شقيق اسمه بصري، كانا إمامين عالمين، أفردت ترجمتهما بالتأليف، ولهما ذرية اشتهر منهم جماعة بالعلوم، وتوفي الثلاثة بقرية سُـمَـل، وكانت رياسة العلم والفضل لبني بصري، ثم انقرضوا في أثناء القرن السادس، وانتقلت الرياسة لبني جديد بن عبدالله، ثم انقرضوا، واختص الذكـر المخلد ببني علوي، فطبقوا الأرض، وعم نفعهم الطول والعرض، وتوطنهم حضرموت أن الله تعالى لما أراد بأهلها خيرا أهدى إليهم السيد المذكور، فاستقر بها هو وأهله ومواليه قاطبة، وكان سبب هجرة جدهم أحمد بن عيسى من البصرة وما والاها من البلاد ما حصل بها من الفتن والأهـوال حـتـى وجـبـت الـهـجـرة منها، فهاجر منها سنة 317 هـ، وسافر معه ابنه عبدالله\".
ثم فَـصَّـلَ عن تاريخهم وسكناهم وإصلاحهم بمختلف مدن حضرموت وقـال:
\"ثم توطنوا مدينة تريم، وكان جلوسهم بها سنة 521 هـ، وأول من سكن منهم السيد علي بن علوي الشهير بخالع قسم، وأخوه سالم، ومن في طبقتهما من بني بصري وجديد\".اهـ باختصار كبير ص1/74 - 77 فراجعه بتمامه تستفد.
وقـال العلامة الفقيه الشيخ عبدالغني النابلسي ت 1143 هـ في رحلته عند ذكـر الشيخ محمد بن علوي باعلوي ص428: \"وهو صحيح النسب بلا شك في ذلك\".
وللإمام نسابة المغرب في القرن الثاني عشر محمد بن الطيب القادري في كتابه \"نشر المثاني في أعلام القرن الحادي عشر والثاني\" عن الشيخ محمد باعلوي السابق الذكـر قوله: \"ولهم الشيخ محمود الشمائل، الجم الفضائل، الشريف النسب، الطاهر الحسب\".
ثم ذكـره فقـال: \"نزيل مكة، وأحد الأشراف المشهورين في تلك البلاد بنياهة الذكـر ولزوم السنة والاجتهاد في العبادة\". فانظره صَ 1071 هـ .
وفي تاريخ الجبرتي 1/373: \"وحيد دهره في المفاخر، وفريد عصره في المآثر، نخبة السلالة الهاشمية، وطراز الـعـصـابـة المصطفوية، السيد جعفر بن محمد البيتي السقاف باعلوي الحسيني\"، وقد ترجم لجمع من آل باعلوي من بيوتات السقاف والعيدروس وبلفقيه .
وعندما ذكـر العلامة عبدالرحمن الكزبري شيخه أحمد بن علوي باحسن باعلوي الشهير بجمل الليل في ثبته المشهور قـال: \"ومن سادات أشياخي السيد الشريف والسند الغطريف صحيح النسب وكريم الحسب\". انظره ص23، وذكـر في ثَـبَـتَـهُ كثيرا من علمائهم .
وللإمام النسابة عبدالحي بن عبدالكبير الكتاني في \"فهرس الفهارس\" 2/398:
\"عبدالرحمن العيدروس: هو الإمام العارف المسند أبوالمراحم عبدالرحمن بن مصطفى بن شيخ العيدروس الحسيني العلوي نسبا التريمي المصري بلدا\".
وقـال في ترجمة عمر بن عقيل: \"هو أبوحفص عمر بن عقيل بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن السيد عبدالرحمن آل عقيل الحسيـني العلوي المكي الشافعي الشهير بالسقاف، والسقاف لقب جده الأعلى السيد عبدالرحمن من آل باعلوي\". ص792، كما ترجم لجمع من أفرادهم .
وقـال العلامة المحدث عبدالحفيظ الفاسي في معجم شيوخه أثناء ترجمة الشيخ حسين الحبشي 2/14: \"أوليته: بيت السادات الباعلويين اليمنيين الحضرموتيين أعظم بيوتات الدنيا قدرا، وأسماها فخرا، اكتمل بدرهم، وشاع في البسيطة نورهم وسرهم، وسال سَـلْـسالُ فضلهم في الأقطار، وضاع شذا نور روضهم المعطار في جميع الأصقاع والأمصار، وبيتهم معمور بالعلم والعرفان، وطريقتهم المثلى يتوارثونها عن آبائهم الأكرمين، على مر السنين، وينقلها نجيب عن نجيب، خصيصة من القريب المجيب، مع اشتهارهم بصحة النسب، وعراقتهم في المجد والحسب...ثم قـال: ومن قصيدة لبعض العلماء بعد أن ذكـر جماعة منهم:
بيتُ النبوة والفتوةِ والهدى
بيتُ السيادةِ والسعادةِ والعبا
بيتُ الإقامةِ والزعامةِ والشها
ثَـبَـتُـوا على قَـدَمِ الرسولِ وصحبهِ
ومَـضَـوْا إلى قَصْدِ السبيلِ إلى العُلى
والعلمِ في الماضي وفي المتوقعِ
دةِ والنجادةِ والجمالِ الأرفعِ
مةِ والأمانةِ عندَهم لم تُودَعِ
والتابعين لهم، فَـسَـلْ وتَـتَـبَّـعِ
قِدْماً على قَدَمِ بِجَدٍّ أَوْرَعِ

وساق نسبه قبل ذلك وقـال: \"هو الحبيب السيد الحسين بن الـشـيـخ الإمـام السيد محمد بن حسين بن عبدالله بن شيخ بن عبدالله بن محمد بن حـسـيـن بن أحمد الشهير بمولى الشعب بن مـحـمـد الـحـبـشـي بـن عـلـوي ابن ابي بكر الحبشي بن عـلـي بـن أحـمـد بن محمد بن حسين بن علي بن محمد الشهير بالفقيه المقدم بن علي بن محمد بن علي بن علوي بن محمد بن علوي بن عبدالله بن أحمد المهاجر إلى الله بن عيسى النقيب بن محمد نور الدين بن سيدنا علي العريضي بن سيدنا جعفر الصادق بن سيدنا محمد الباقر بن سدنا علي زين العابدين بن سيدنا الحسين السبط الشهير بن سيدنا علي ومولاتنا فاطمة الزهراء\".
والعلامة الفاسي مشهور بعلمه واطلاعه بالأنساب، ويظهر ذلك جليا في مشيخته الجليلة”المدهش المطرب”فلتراجع، فإنه في الأغلب ما ذكـر شيخا مشرقا أو مغربا إلا وعرج على نسبه وأصله، فذكـر فرعه وبيته، رحمه الله تعالى .
وبما مضى هنا نجد إطباق علماء الأزمان والـيـمـن خاصة ـ كما نقلناه، وكما نقله النسابة العلامة سقاف بن علي الكاف في كـتـابـه \"دراسـة في نـسـب الـسـادة بـنـي عـلـوي\"، ونقله غير واحد من المؤرخين ـ على صحة نسب آل باعلوي، بل وتواتره، وهذا يحقق الطريق الثاني من طرق إثبات النسب كما قدمناه .
تـنـبـيـه: اعلم أن جميع النسابين والمؤرخين أثبتوا نسبة آل السقاف إلى بـيـت باعلوي كما مضى في النقول الـمـاضـيـة، ومـن ذلـك مـا في “سـلـك الدرر”2/9 للمرادي أثناء ترجمته للسيد جعفر بن محمد السقاف، قال: \"جعفر بن محمد الشهير بالبـيـتـي باعلوي السقافي المدني الشافعي، السيد الشريف\". إلى أن قال: \"وبنو السقاف بـيـت مشهورون بالشرافة والفضل\"، وفي \"المشرع الروي\" 2/141 ترجم لجد بني السقاف ـ والذي إليه ينتمون وبه يتصلون ـ إلى عمود آل باعلوي فقال:
\"عبدالرحمن بن أحمد مولى الدويلة بن علي بن علوي بن الأستاذ الأعظم، الفقيه المقدم، رضي الله عنهم، المشهور بالسقاف سيد السادات الأشراف، وصفوة الصفوة من بني عبدمناف، الواحد الذي وقع عليه الاتفاق، وسارت بفضائله الركبان في الآفاق، بل اجتمعت الأئمة عليه، وأنه وصل إلى ما لا يطمع غيره في الوصول إليه\".
ثم قال 2/146: \"وخلف من البنين ثلاثة عشر ذكرا، ومناقبهم أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر\".
وقد أجمع نسابو بني علوي على أن آل السقاف منهم، بل من أوسطهم نسبا، بل إن أول نقيب للأشراف في حضرموت منهم، وهو العلامة الإمام عمر المحضار بن عبدالرحمن السقاف الجد الجامع، وانظر لذلك \"شمس الظهيرة\" لـلـنـسـابـة الـمـحـقـق عبدالرحمن بن محمد المشهور بـاعـلـوي بتحقيق العلامة النسابة السيد محمد ضياء شهاب، والعلامة نسابة آل باعلوي محمد بن أحمد الشاطري في \"المعجم اللطيف\"، و \"شـجـرة النور الزكية\" للسيد يوسف جمل الليل باعلوي، وغيرها .
وبهذا يقوم الطريق المعتبر عند أهل النسب في إثبات الفروع إلى الأصول، وهو إقرار العدول من أهل الأصول بنسبة الفرع إليهم ( ) .

وإلى هنا تمت الجرعة الخامسة والحجة الطامسة، وبها هَـلَـكَـتْ حجج ووريقات الجويهل، ويظهر وضوح النسب الشريف كالشمس لمن أُغوي بترهات الحسدة والمتمشدقين .






خاتمةٌ
خَـتَـمَ الله لنا بالحسنى وزيادة

فانظر أخي إلى حجج هذا الجويهل كيف دُحِـرَتْ واحدةً واحدة، وكيف بنى وريقاته على أعمدة هشة تَـجَـرُّؤاً عـلـى الله تعالى ورسوله، ونشراً للضغينة في صدور الناس، ولِـلَّـهِ ما أعجب هذا الرد الحفيل الذي ـ وإن قلت أوراقه ـ جمع من الفوائد الفوائد، ومن الحجج الدوامغ، ومن النكات العلمية والنسبية ما لا ينتزع إلا مـن بـطـون الكتب المتفرقة والمِراسَةِ الطويلة، وكيف لا وقد طَمَّ أكثر من مائة وخمسين نقلا وقولا، فلله دري، وإليه شكري .

وقد قال ابن عنبة في رسالةٍ له في اصطلاح النسابين:
\"قولهم: صحيح النسب، وهو الذي ثبت عند النسابة، وقوبل بنسخة الأصل، ونص عليه بإجماع المشايخ النسابين، والعلماء المشهورين بالأمانة والعلم والصلاح وكمال العقل وطهارة المولد\".
\"وأما: مقبول النسب، فهو الذي ثبت نسبه عند النسابين، وأنكره آخر، فصار مقبولا من جهة شهادة شاهدين عدلين، فحينئذ لا يلتفت إلى خط نسابة لم يكن منصوصا عليه من بعض مشايخ النسابين، إن نفى أو ألصق فحينئذ لا تساوي مرتبته بمرتبة من اتفق عليه إجماع النسابين، ولا يرجع إلى قوله\".
\"وأما: مردود النسب، فهو الذي ادعى إلى قبيلة ولم يكن منهم، ثم علموا تلك القبيلة بـبـطلانه، ثم منعوه عن دعواه، فصار حكمه عند النسابة أنه مردود النسب خارج عن البيت الشريف، وأما مشهور النسب، فهو من اشتهر بالسيادة ولم يعرف نسبه، فحكمه عند النسابة: مشهور عند العامة مجهول عند علماء النسب، بخلاف بعضهم\".
فقف على قوله: \"وأما مردود النسب..إلخ\". ثم قف على: \"وأما مشهور النسب ..إلخ\"، فإن كلام الجويهل إن سُلم فلا يقتضي إبطال نسب آل باعلوي؛ لأن أربعة نقول لا تبطل الأنساب، ولا مائة، علما أنه ليس بينها نقل طاعن في نسب آل باعلوي، فهو على شرط الجويهل كما عند علماء النسب يعتبر مشهورا لا باطلا، هذا إن لم يقف أمامه ما جمعناه من إجماع النسابين والمؤرخين المعتبرين على صدقيته واتصاله وصحته، علما أننا جارينا الـجـويـهـل في عدم الاعتماد على كلام أئمة النسب من آل باعلوي، وهذا شرط لم يشترطه أحد من أهل النسب قط، إنما الشرط هو التبحر والثقة فقط، بل في كل العلوم.
واعلم أيها النجيب أن الله تعالى أمرنا باحترام أهل البيت وتوقيرهم، وقد أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن زيد بن أرقم مرفوعا: \"أذكركم الله في أهل بيتي\"، قال الـطَّـيِّـبـيّ: \"أي: أحذركم الله في شأنهم\"، فالتذكير بـمـعـنـى الـوعـظ.
وقد أخرج أحمد والترمذي وقال: \"حسن صحيح\". والنسائي والحاكم وصححه عن عبدالمطلب - ويـقـال: اسمه المطلب - ابن ربيعة مرفوعا: والذي نفسي بيده: لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله\"، وفي رواية: \"ولـقـرابـتـي\".
وأخـرج الـتـرمـذي وصححه والحاكم وصححه وأقره الذهبي عن ابن عباس مرفوعا: \"أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحـبـونـي لـحـب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي\".
وقد قال الله تعالى: {قـل لا أسـئـلـكـم عليه أجرا إلا المودة في القربى}، قال ابن عباس: \"يعني: أن تودوا قرابتي وتحفظوني فيهم\"، أي: بصلتهم وإدخال السرور عليهم وتعظيمهم وتوقيرهم.
وأخرج الخطيب أن أحمد بن حنبل كان إذا جاءه شيخ أو حدث من قريش أو الأشراف قدمه بين يديه، وخرج وراءه.
وكان أبو حنيفة يعظمهم كثيرا، ويتقرب إلى الله تعالى بالإنفاق على المتسترين منهم والظاهرين، حتى قيل: إنه بعث مرة إلى متستر منم باثني عشر ألف درهم، وكان يحض أصحابه على ذلك.
وكان للشافعي فـيـهـم اعتقاد دائم، ووداد سليم، ولمبالغته فيهم صُرح بأنه من شيعتهم، ونسبه الخوارج إلى الرفض حسداً وبغياً، وفي ذلك يقول:
يا راكباً قُلْ بالمُـحَـصَّـبِ مِن مِـنى
سَحَراً إذا فاض الحجيج إلى منىً
لو كان رَفْضاً حُبُّ آلُ محمدٍ
واهتِفْ بساكنِ خَـيْـفِـها والناهضِ
فيضاً كمُـلْـتَـطِـمِ الخليجِ الفائضِ
فَـلْـيَـشْـهَـدِ الثَّـقَـلانِ أنّي رافضيّ

وفي \"الحلية\" لأبي نعيم أن بعضهم قال له: \"إن الناس يقولون إنك شيعي بسبب محبتك لآل البيت\"، فقال: \"مَـثَـلِـي ومَـثَـلُـهُـم كما قيل:
ومازال بِيْ الكتمانُ حتى كأنني
لأِسْلَمَ مِن قولِ الوُشاةِ وتَـسْـلَـمِـيْ
لِـرَجْـعِ جوابِ السّائلي عنكِ أَعْجَمُ
سَـلِـمْـتِ، وهل حيٌّ من الناس يَسلمُ؟

وأما الإمام مالك فتعظيمه لهم شديد، وحبه فيهم بالغ أكيد، وقد كان ممن يقول بتقديمهم على غيرهم، ويقر بمزيتهم وفضلهم .
فأكرم بهم من سلف عظيم أحبوا نبيهم فأحبوا آله، فهداهم الله وأكرمهم لصدقهم ووفائهم، ورحم الله القائل:
لا يَسلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى
حتى يُراقَ على جوانبه الدمُ

وإن رُؤِيَ هذا بعين التدقيق عُلم أن الله إنما أراد رفع درجاتهم وإتمام نورهم، ونشر فضلهم، أي: آل باعلوي، أما الجويهل المتفيهق المتمشدق فقد نادى على نفسه أمام الملأ بالجهل والدعوى، وأعلن تَـسَـيُّـبَـهُ على العلوم من غير سبق ولا جدوى، فأضحك الصغار، وضاع في القفار، وزل في العثار، ويفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه، وعُلم أنه لا يؤخذ منه شيء في علم الأنساب، ولا يجوز له التأليف فيه، وفي الذكر: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}، بل ولا يحق له الكتابة في العلوم الأخرى إلا ما أخذه على شيخ وتمرس فيه به.
وكم يكون حسناً أن تَفرُضَ وزارات الثقافة والإعلام و الأوقاف في الدول الإسلامية رقابةً على المؤلفين الذين يطبعون وينشرون هـرائـهـم مـن غـيـر علم، بل ويجب الأخذ على أيديهم بدل هذه الجعجعة واستـئساد الـصـبـيـان، وقــد قــيــل سـابـقـا: \"مَـن كَـتَـبَ: عَـرَضَ عـقـلَـه عـلـى الناس\"، ولذا مـد سِـيـبَـوَيـْـهِ - وقيل: أبو حنيفة - رجليه عندما فتح الجاهل فمه أمامه.
وقد قيل: \"إذا جمع العالم ثلاثاً تمت النعمة على العالم: العقل والأدب والفهم\"، وما أرى المردود عليه إلا خسر أغلبها إن لم أقل كلَّـهـا، فالحمدلله ثم الحمدلله على إظهار الحق وإزهاق الباطل، وهاك هذه الرسالة النفيسة، واستفد بها، وخيرُ ما يناسب المقام قولُ ابنِ أبي الشمقمق:
حَـصَّـنْـتُـهـا بِـسُـورَةِ الـنَّـجْـمِ إذا
فالحمدُ للهِ الّذي صَـيَّـرَهـا
والحمدُ للهِ الذي جَـعَـلَـهـا
ثُمَّ الصلاةُ والسلامُ ما تَـغَـنّـ
على النبيْ وآلِه وصحبِهِ
هَوَى مِنَ الـمُـنْـتَـقِـلِ الـمُـسْـتَـرَقَ
إِثْـمِـدَ عَـيْـنَـيْ مُـنْـصِـفٍ مُـوَثَّـقِ
قَذىً بعينِ الحاسدِ الحَـفَـلَّـقِ
ـتْ أُمُّ مَـهْـدِيٍّ بِرَوْضٍ مُورَقِ
وتابعيهمْ مَن مَـضـى ومَن بَـقِـيْ



ولما تَـمّ هذا الكـتاب الحفيل، جيشني لأن أقول:
عرّجْ بمنعرج الطريق الأعوج
واملأ وطابك من بهاء جمالنا
وانشر على أعلام حي ذكرنا
تندم كحال الكسع( ) عند تندم
أو قد تكون كمن أراه دبه
تأس بأسو براقش في نهجك
والفرس والقوقاز والروم الألى
والهند والأفغان والزنج كذا
يا ليتني يا ليتني يا ليتني
أعظم بيا أعظم بيا ومؤلفي
قد طم من أسرار رد حكمها
وأتى بإفحام لخصم جاهل
والذب والإفساح عن آل النبي
فاهنأ به سما زعافا قاتلا
واسلك سبيل العارفين بقدرهم
وارسل صلاة دائما متكاثرا
والآل والأصحاب طرا دائما
والحمد لله العظيم الأكرم
بين الهضاب الشم أو بالأدعج
واخضب بذاك الخضب شيب الكوسج
إلا تقم ترمى لحال محوج
أو كالسنمار الغشيم المعرج
طعم الهناءة حين نوم أكرج
تضحك عليك العرب آل مذحج
ضربوا بغرب الأرض أعلاما فج
أهل البخارى أهل أرض معوج
انظر إلى مثلي ومثل مخلجي
قد جاء بالإبداع في حلق شجي
وأتى من الآيات ما يحيي المجي
بالنقل والتدليل حتى يفلج
والرد للمغضوب ذاك الأعوج
للناصبين لآل أحمد فارتجي
واطعم من الروض الكريم الأهيج
عـالـصـادق المصدوق أكرم مرتجي
والبعد للمغضوب ذاك المخرج
حمدا دويما ما صفى من عسلج


ولما لاح بدر تمام هذا المؤلَّف الماتع، وفاح مسك ختام هذا الشهد الرائع، أنشد فيه بعض الإخوان:
أيّـهـا الـهِـرُّ الّذي انـتَـفَـخـا
أو كـوَعْـلٍ نـاطِـحٍ صَـخْـرَةً
أو كـطـفـلٍ مُـمْـسِـكٍ بـعـصـا
فـيـه تَـزْهُـو ضـاحـكـاً فَـرِحـاً
حـاقِـداً بـآلِ بـاعَـلَـوِيّ
خـائـضـاً في لُـجَّـةِ نَـسَـبٍ
مُـنْــكِـراً لِـلْـحَـقِّ مُـسْـتَـكْـبِـراً
لا يَـضُـرُّ الـشَّـمْـسَ في أُفُقٍ
جاءَك الرَّدُّ الّذي أَزْهَـقـا
سـاطـعـاً يُـبَـدِّدُ الـظُّـلَـمـا
مُـرْغِـمـاً لـلـجـاهِـلِ الـمُـدَّعِـيْ
مُـخْرِسـاً لِـكُـلِّ مُـسْـتَـأْسِـدٍ
فـتـأمّـلْ فيه تَـلْـقـى الّذي
واقـبـلِ الـحَـقَّ ولا تَـأْبـَـهُ
وصلاةُ اللهِ تَـغْـشَـى الـنّـبِـيّ
ثمَّ آلِهِ وأصـحـابِـهِ
حـاكـيـاً لِـصَـوْلَـةِ الأَسَدِ
أو كـهِـرٍّ لابِـسِ الـبُـرُدِ
ظـنّـهـا سـيـفـاً مِن الـعَـسْـجَـدِ
غـارِقـاً في الـكِـبْـرِ والـحَـسَـدِ
آلِ بَـيْـتِ الـمـصـطـفـى الـمُـهْـتَـدِيْ
يُـغْـرِقُ الـمَـرْءَ سـنـاهُ الـنَّـدِيّ
أو لـضـوءِ الـشَّـمْـسِ مِن رَمَـدِ
ما رآها أَعْـمَـهٌ أو رَدِيّ
كلَّ ما لك مِنَ الـعُـدَدِ
ويُـنْـيـرُ الـحَـقَّ لـلـمُـبْـتَـدِيْ
َيـرْعَـوِيْ عن فُـحْـشِـهِ الـمُـعْـتَـدِيْ
لا يَـنـالُ الـعِـلْـمَ بـالـسَّـنَـدِ
كـنـتَ عنه في عَـمـىً أَنـْـكَـدِ
تَـحْـظَ بـالـخـيـرِ وبـالـرَّشَـدِ
مَن له حُـبّـي ومُـعْـتَـقَـدِي
مَعْ سلامٍ دائمٍ أَبـَـدِيّ

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 6598


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


السيد طاهر عقيل
تقييم
3.43/10 (52 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

المجمع العالمي لأنساب آل البيت
جميع الحقوق محفوظة للمجمع العالمي لأنساب آل البيت